الكاتب: أ.د. ناصر عبد الحميد يونس

مدخلات العملية التعليمية و أثرها على طبيعة مخرجاتها
تعاني كثير من الدول من ظاهرة فشل العملية التعليمية ، و قد أجريت العديد من البحوث لإبراز العلاقة بين هذه الظاهرة و المستوى الاقتصادي و الاجتماعي لهذه الدول.
يفترض هذا المقال أن الفشل الدراسي يمكن أن يكون نتيجة الأهمية المعطاة أو التي تحظى بها المعارف المتعلقة بالمفاهيم في البرنامج الدراسي. فالتأكيد على اكتساب المعارف الإجرائية يمكن أن يساهم في إنجاح العملية التعليمية ، و يمكن أن يدخل هذا العمل في إطار
المفهوم الجديد لعملية التعليم التي ترتكز على التعريف الجديد لوظيفة المدرس، فهي تعمل على الاستدلال على استطاعتنا علاج بعض حالات فشل العملية التعليمية بتزويد الطالب بالأدوات الضرورية التي تمكنه من استيعاب المادة الدراسية.
المفهوم الجديد لعملية التعليم التي ترتكز على التعريف الجديد لوظيفة المدرس، فهي تعمل على الاستدلال على استطاعتنا علاج بعض حالات فشل العملية التعليمية بتزويد الطالب بالأدوات الضرورية التي تمكنه من استيعاب المادة الدراسية.
لذلك ، سنحاول إبراز طبيعة العلاقة التي يمكن أن توجد بين نجاح العملية التعليمية و بين:
- المعارف الجاهزة لدى الطالب عند بدء العملية التعليمية .
- المعارف الإجرائية.
- التيار التربوي المسمى ” إدارة العمليات الذهنية “.
1- المعارف الجاهزة لدى الطالب عند بدء العملية التعليمية
كما يعرف الجميع، فالمقصود بالعملية التعليمية ليس مجرد عملية إلقاء معلومات و لكنها عملية تفاعل بين حدث تعليمي و حدث تعلمي. ترتكز هذه العملية على مستوى كفاءة المتعلم في بداية عملية التعلم. وبتعبير آخر، يمكن القول أن عملية تحديد الأهداف و النشاطات المطلوب القيام بها من طرف المتعلم تُحدَّد انطلاقا من درجة كفاية المتعلم، ذلك لأن المعلومات التي يمتلكها المتعلم في بداية العملية التربوية لها دور مهم طوال تلك العملية. ويطلق فيليب ميريو Philippe Meirieu على تلك المعلومات اسم “المعارف الجاهزة لدى الطالب عند بدء العملية التعليمية و يعتبرها مكونا أساسيا في العملية التعليمية. يقول فيليب ميريو Philippe Meirieu في هذا الخصوص أيضا:
إن عملية الربط بين المعلومات و المهارات التي تم استيعابها و المعلومات و المهارات الجديدة هي عملية تكوين يقوم بها المتعلم، و ذلك يقودنا إلى القول أن المعلومات لا تُستوعَب عن طريق الإلقاء و لكن عن طريق البناء الذهني للمعلومات، و بالتالي يمكن القول أن نجاح العملية التعليمية ليس نتاج مجرد إرسال للمعلومات من طرف المدرس يتم استقبالها من طرف الطالب، و لكنه يعتمد أولا على طبيعة المعارف الموجودة لدى الطالب في بداية العملية التعليمية . إن هذه المعارف المسماة ” أولية ” هي ضرورية لبلوغ الأهداف المنشودة من العملية التعليمية . يقول فيليب ميريو Philippe Meirieu في هذا الخصوص :
وتلعب هذه المعارف الأولية دورا مهما بل إن ضرورة وجودها – لتكوين المعلومات – يصل إلى درجة أن ريشار كوتييه Richard L. Côté يدعو المدرسين القلقين على حسن سير العملية التعليمية إلى التأكد من وجود المعلومات أو المهارات الأولية لدى الطلبة قبل البدء في عملية التعليم خيث يقول:
تطرق هذا الباحث إلى هذا الموضوع مطلقا عليه اسم المهارات الذهنية الأولية. فريشار كوتييه Richard L. Côté يعتبر هذه المعارف على شاكلة الأشياء المكتسبة، و بالرجوع إلى بعض أقوال غانييه R. M. Gagné ، أكد هذا الأخير على ضرورة أخذ هذه المعلومات في الاعتبار لنجاح العملية التعليمية و ذلك حين يقول:
كما سبق و أشرنا من خلال أقوال فيليب ميريو Philippe Meirieu الذي يمثل – بالنسبة لي – المدرسة الفرنسية و أقوال ريشار كوتي Richard L. Côté الذي يمثل المدرسة الأنجلو – ساكسونية ، تعطي هاتين المدرستين أهمية بالغة للاستعدادات الذهنية للمتعلم قبل البدء في عملية التعلم. و على الرغم من أن هذين الباحثين قد تطرقا إلى ما سماه فيليب ميريو Philippe Meirieu :” المعارف الجاهزة لدى الطالب عند بدء العملية التعليمية “، يمكن لنا أن نفهم، معتمدين على المصطلحات المستعملة من قبل ريشار كوتي Richard L. Côté، أن: ” المعارف الجاهزة لدى الطالب عند بدء العملية التعليمية لا تغطي نفس الواقع في كلتا الحالتين.” نستطيع أن نفهم أن هدف الاختلاف هو نتيجة للاختلافات على مستوى المصطلحات المستعملة من قبل هذين الباحثين.
بالنسبة لفيليب ميريو، تتكون “المعارف الجاهزة لدى الطالب عند بدء العملية التعليمية من نوعين من المعارف المكتسبة الأولية : من جهة، المعلومات و التصورات (التي نسميها الكفاءات) و من جهة أخرى، المهارات (التي نسميها القدرات) ” . و يبيِّن فيليب ميريو Philippe طبيعة العلاقة الموجودة بين الكفاءات و المهارات قائلا :
بالنسبة لفيليب ميريو، تتكون “المعارف الجاهزة لدى الطالب عند بدء العملية التعليمية من نوعين من المعارف المكتسبة الأولية : من جهة، المعلومات و التصورات (التي نسميها الكفاءات) و من جهة أخرى، المهارات (التي نسميها القدرات) ” . و يبيِّن فيليب ميريو Philippe طبيعة العلاقة الموجودة بين الكفاءات و المهارات قائلا :
واستعمل ريشار كوتي Richard L. Côté من جانبه عبارة ” استعدادات و مهارات ذهنية ” تارة للتعبير عن المهارة عندما يتعلق الأمر مثلا بالتعرف على مدى قدرة المتعلم على القيام بنشاط معين. لقد تم التعبير عن هذه الفكرة من قبل هذا الباحث على النحو التالي:
و تارة أخرى بمعنى ” كفاءة ” كما يمكن أن نلاحظه في التعريف الذي أعطاه و استعمله ريشار كوتي Richard L. Côté ل” المهارة الذهنية الأولية “، و ذلك من خلال العبارة التالية :
كما أشرنا سابقا، إن تحديد الأهداف التعليمية يجب أن يكون وفق مستوى كفاءة المتعلم في بداية العملية التعليمية لأن الأهداف التعليمية الذهنية تخضع لترتيب محدد. على سبيل المثال، إذا رجعنا إلى ترتيب أو تصنيف بلوم للأهداف التربوية الذهنية نجدها مصنفة على النحو التالي:
معرفة
فهم
تطبيق
تحليل
استنتاج
تقويم
انطلاقا من هذا التصنيف، يمكن أن نقول أن المعارف الأولية التي تدخل في إطار ما نسميه ” الكفاءة ” تظهر في أعلى التصنيف، هذا في الوقت الذي نلاحظ فيه أن الأهداف التي تعبر عن ” مهارة ” تقع في أسفل التصنيف. هذه الملاحظة تقودنا إلى القول أن ما نسعى إلى بلوغه في أغلب الأحيان من وراء العملية التعليمية ، هي الأهداف التي تهتم أو تركز على حفظ المعلومات بينما تبقى الأهداف التي تهتم بالمهارات في طي النسيان.
لكي تنجح العملية التعليمية ، أعتقد أنه على المدرس أن ينظر إلى المنهج الدراسي على أنه مجموعة مهارات ذهنية يتم استيعابها من قبل الطالب. و يتطلب استيعابُ هذه المهارات استيعابَ المعارف الأولية التي تعتبر شرطا لاستيعاب المنهج الجديد. وبتعبير آخر، لكي تنجح العملية التعليمية ، على المدرس أن ينظر إلى المنهج الدراسي بكونه مجموعة مهارات ذهنية يتم استيعابها من قبل الطالب. و يتطلب استيعابُ هذه المهارات التمكن من المعارف الأولية التي تعتبر شرطا لفهم المنهج الجديد. ويمكن للمدرس أن يدرك ما إذا كانت ” المعارف الجاهزة لدى الطالب عند بدء العملية التعليمية “تسمح له ببلوغ الأهداف المنشودة من وراء العملية التعليمية منذ الحصص التعليمية الأولى.”
2- المعارف الإجرائية
يركز المفهوم الجديد لعملية التعليم على تسهيل عملية التعلم. وتتطلب عملية التسهيل هذه – من قبل المدرس – فهم الآلية المؤدية إلى استيعاب المادة الدراسية الجديدة. يعتبر فهم آلية عملية التعلم جوهر النشاط التعليمي. حيث يقول ميشال دوفلي M. DEVELAY في هذا الخصوص :
إن ذلك يقودنا إلى القول أن أي حدث تعليمي ناجح يرتكز و يضع من ضمن أولوياته فهم ما يقوم به الطالب أثناء عملية التعلم أي معرفة طبيعة النشاط الذي يقوم به المتعلم لاستيعاب محتوى المادة الدراسية.
إن عملية ربط نجاح العملية التعليمية بفهم الطريقة التي يتبعها الطالب أثناء عملية التعلم يعطي لهذه العملية بعدا جديدا: إن الأمر يتعلق ب ” المعارف الإجرائية “. وبطريقة أوضح، يمكن القول أننا في الموقف التعليمي، نكون أمام نوعين من المعلومات: معارف مفاهيمية و معارف إجرائية. و الفرق بين هذين النوعين من المعارف تمت الإشارة إليه من قبلكريستيان جورج C. GEORGE عندما قال :
نظرا لطبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه المعارف الإجرائية التي يمتلكها الطالب في العملية التعليمية ، يدعو المربون إلى ما يسمى ب ” تعليم كيفية عملية التعلم”. انطلاقا من معطيات هذا التيار التربوي الجديد، يمكن القول أن عدم امتلاك بعض هذه المعارف الإجرائية يمكن أن يكون مسؤولا و لو جزئيا عن فشل العملية التعليمية. يمكن القول بتعبير آخر، أنه بتزويد المتعلم بالمعارف الإجرائية المناسبة، يمكن لنا أن نسهل له عملية التعلم. فعملية التسهيل هذه تمثل بالنسبة لشارل حاجي Ch. HADJI جوهر بل و الغاية من وجود العملية التعليمية . يقول هذا الباحث في هذا الخصوص:
ومن جانبه، عرف مارك برو M. BRU عملية التعليم كما يلي:
في نفس السياق تبرز ب.م.بارث B. M. BARTH أهمية الأدوات المستخدمة من قبل الفرد في موقف تعليمي حيث تقول:
انطلاقا من هذه المعطيات، يمكن أن نقول أن حالات الفشل الدراسي يمكن أن تكون نتيجة عدم امتلاك الطلاب للمعارف الإجرائية الأولية التي تمكنهم من فهم و إعطاء معنى للمنهج الدراسي. في الحقيقة ، لكي ” نضمن” نتائج العملية التعليمية، أرى ضرورة تحديد – من قبل المدرس – طبيعة الأدوات الواجب استخدامها من قبل المتعلم لاستيعاب المنهج و ذلك منذ مرحلة تحضير الدروس. إن اتباع هذا الأسلوب في التعليم يسمح للمدرس بالتعرف على طبيعة الصعوبات التي يلاقيها المتعلمون و بالتالي اقتراح و تبني طرق تدريسية تحسبية.
3- فشل العملية التعليمية من وجهة نظر التيار التربوي ” إدارة العمليات الذهنية”
من بين الطرق المقترحة لمجابهة الصعوبات الدراسية التي لها علاقة بالمعارف الإجرائية نذكر التيار التربوي المسمى ” إدارة العمليات الذهنية “. يعود فشل العملية التعليمية – حسب متبعي هذا التيار التربوي – إلى كون المتعلمين المعنيين بهذه الظاهرة لا يستعملون العمليات الذهنية المناسبة التي تدخل في عملية التعلم. في الواقع، كل نشاط ذهني يتطلب القيام ببعض العمليات الذهنية التي في غيابها تكون كل عملية استيعاب شبه مستحيلة. تقول م. ف.ميجيان M. F. MEIGNENفي هذا الخصوص :
تركز هذه الباحثة على أهمية دور هذه العمليات لاستيعاب المعلومات قائلة :
تقودنا هذه المعطيات إلى القول أن بعض حالات الفشل التعليمي يمكن أن تكون نتيجة لعدم امتلاك المتعلمين لمنهجية التعلم ” الناجعة ” التي تمكنهم من استيعاب المعلومات، أي أن المتعلمين الذين يفتقدون مشروعا يسعون إلى القيام به من وراء العملية التعليمية، لا يقومون بعملية الاسترجاع الذهني للمعلومات المناسبة للتمكن من استيعابها.
يقول أ. دو لا قارندوري A. DE LA GARANDERIE مبتكر التيار التربوي الذي نحن بصدد الحديث عنه، أن كل عملية تعلم تتطلب و ترتكز على عنصرين لدرجة أن نتيجة العملية التعليمية ترتبط بحضور أو غياب هذين العنصرين و هما:
وجود مشروع لدى المتعلم.
الاستدعاء الذهني للمعلومات.
يحتل العنصر الأول مركزا أساسيا في هذا التيار التربوي. في الواقع إن طبيعة المشروع المحدد من قبل المتعلم هو الذي يحدد ، إلى حد ما ، نوعية العملية الذهنية التي يقوم بها المتعلم لإستيعاب المعلومات.
بالنسبة لكيفية حدوث عملية التوافق بين المشروع و العمليات الذهنية، يمكن لنا إبرازها من خلال رجوعنا إلى إ. قريبو E. GREBOT التي تقول في هذا الخصوص :
وبتعبير آخر، حسب تيار إدارة العمليات الذهنية، يرتكز الحدث التعليمي على امتلاك مشروع يحدد نوعية العمليات الذهنية الواجب القيام بها. إن عملية امتلاك المتعلم لمشروع هو الذي يمكنه إذا من القيام بعملية إستدعاء ذهنية، و التي تعتبر هي الأخرى عنصرا أساسيا في التيار التربوي المسمى “إدارة العمليات الذهنية” . تعبر م. ف.ميجيان عن ذلك قائلة :
و قد أشار انتوان دولا قارودوري Antoine DE LA GARANDERIE ، من جانبه، إلى أهمية عملية الإستدعاء الذهني للمعلومات مركزا على علاقتها بعملية الفهم حيث قال :
انتوان دولا قارودوري Antoine DE LA GARANDERIE تدعو إلى القول أن الفشل يجد مكانه في العملية التعليمية عندما لا تكون هذه العملية مسبوقة أو مصاحبة بمشروع. في هذا الخصوص يقول قريبو E. GREBOT :
إن السؤال الأساسي الذي يمكن أن نطرحه و الذي يمكن أن يكون – إلى حد ما – سببا أو هدفا من ذكر هذا التيار التربوي هو : ” إلى أي حد تسمح لنا معطيات تيار إدارة العمليات الذهنية ببلوغ الأهداف المنشودة؟ “
للإجابة على هذا السؤال نستطيع أن نقول – حسب نتائج البحوث التي تم القيام بها في إطار تيار إدارة العمليات الذهنية – إن الهدف الأخير من هذه الطريقة هو اقتراح حلول لمشكلة الفشل الدراسي. في الواقع، تنطلق هذه الطريقة من تحليل العناصر التي تؤدي دورا مهما أو التي لها علاقة بنتائج العملية التعليمية و تحاول اقتراح استراتيجية تعليمية تساعد المتعلم على الحصول على نتائج إيجابية. لقد تمت الإشارة إلى هذه الفكرة من طرف أ. قريبو E. GREBOT على النحو التالي :
لبلوغ أفضل النتائج في نهاية العملية التعليمية ، انطلق مؤسس تيار إدارة العمليات الذهنية التربوي من الفرض القائل إن المتعلمين لا يديرون عملية تعلمهم بطريقة واحدة و إن هذا الاختلاف هو نتيجة عدد من العناصر التي يمكن أن نذكر من بينها ” طبيعة المشروع المحدد من قبل المتعلم” و بالتالي نوع عملية الاستدعاء الذهني المنجزة عند تعاملنا الحسي مع معطيات المادة الدراسية. بطريق أوضح، نستطيع أن نقول أن الفرد يستخدم – في الموقف التعليمي – نشاطا استدعائيا ذهنيا للمعلومات على هيئة صور سمعية أو بصرية. لذلك يمكن القول أن إحدى النتائج التربوية التي يمكن أن تنبثق من هذه الطرق في العمل و التي يمكن أن يكون لها تأثير على نتائج العملية التعليمية تقع في مستوى نوعية العلاقة الموجودة بين المثير المستعمل من قبل المدرس: سمعي ( خطاب ) أو بصري ( السبورة ) و طريقة تعلم الطالب. حول هذه النقطة و بالرجوع إلى أعمال أنطوان دولا قارودوري Antoine DE LA GARANDERIE تقول م. ف.ميجيان M. F. MEIGNEN :
أما بالنسبة للمدرسين، يقول هذا الباحث :
على المدرس أن يستخدم عدة طرق تعليمية مع تلاميذه و على التلاميذ أن يحاولوا اكتساب و تنمية الطرق التعليمية التي لم يكونوا يستعملونها، إنها في أغلب الأحيان الوسيلة الأنجع للنجاح.
تقودنا أقوال و أعمال أنطوان دولا قارودوري إلى القول أن طريقة التعليم المتبعة من قبل المدرس يمكن أن تكون مصدر الصعوبات التي يلاقيها بعض المتعلمين الذين يعانون من مشاكل دراسية. و لكي نتمكن من تذليل تلك الصعوبات علينا اتباع طرق تدريس مختلفة.
و على الرغم من ذلك، لا يمكن لنا أن نستخلص أن مجرد التوافق بين عملية التعليم و طبيعة عملية الاسترجاع الذهني المنجزة من قبل الطالب تؤدي بالضرورة إلى نجاح العملية التعليمية. في الواقع، يستوجب نجاح العملية التربوية إدراك درجة معينة من النمو على مستوى الاسترجاع الذهني للمعلومات. بتعبير آخر، لكي تكون هناك عملية تعلم، بل لنجاح هذه العملية، يجب أن تبلغ عملية الاسترجاع الذهني للمعلومات درجة تتناسب مع درجة طبيعة النشاط المراد القيام به. فعملية الاسترجاع الذهني للمعلومات أثناء تطورها، تمر بأربع مراحل تسمى ” الدرجة ” أو ” المستوى”. قامت إ. قريبو E. GREBOT بتقديم هذه المستويات على النحو التالي:
أ- المستوى الأول: تتميز الأشياء المسترجعة ذهنيا في المستوى الأول، بمحتواها وعلاقاتها بالأحداث الحسية. (…) يلاقي الطالب الذي يكتفي بالمستوى الأول من الاسترجاع الذهني بالضرورة، صعوبات دراسية في وقت معين.
ب- المستوى الثاني: الأشياء المحتوية على خصائص المستوى الثاني من الاسترجاع الذهني هي الحفظ عن ظهر قلب و المعلومات التي تم حفظها أوتوماتيكيا كجدول الضرب والكتابة السليمة للكلمات وكتابة الشعر و التواريخ و القواعد التي تم حفظها عن ظهر قلب.
و هكذا فالطالب الذي يفضل الحفظ عن ظهر قلب و التعلم بطريقة أوتوماتيكية يلاقي صعوبات على مستوى عمليات التصفيف و الاستنتاجات و الخيال الخ.
ج- المستوى الثالث: وهو مستوى التفكير المنطقي و الاستنتاجي و كل العمليات الذهنية المنظمة. يتم اللجوء إلى هذا المستوى من الاسترجاع الذهني للمعلومات عند عملية التعلم (…) يعكس هذا المستوى كذلك القدرة على التفكير المجرد الواجب توافره لإيجاد نوع من العلاقة بين المعلومات و لحل المشكلات و لبناء معلومات جديدة.
د- المستوى الرابع: هو مستوى الخيال، ويهتم الفرد الذي يستخدم هذا المستوى من الاسترجاع الذهني للمعلومات بالأشياء غير المتوقعة و المستحدثة و غير المطابقة للواقع .
إن عملية التمييز بين هذه المستويات الأربعة من عملية الاسترجاع الذهني للمعلومات تميز بين مختلف الطرق التي يتبعها الطلاب في المواقف التعليمية و توضح لنا بعض أسباب عدم بلوغ الطالب لنفس المستوى في مختلف المواد الدراسية.
إن عملية التمييز بين هذه المستويات الأربعة من عملية الاسترجاع الذهني للمعلومات تميز بين مختلف الطرق التي يتبعها الطلاب في المواقف التعليمية و توضح لنا بعض أسباب عدم بلوغ الطالب لنفس المستوى في مختلف المواد الدراسية.
انطلاقا من هذه المستويات يمكن لنا أن نتساءل ما إذا كان الطالب الذي لا يغطي كل مستويات العمليات الذهنية السابق ذكرها محكوم عليه بالفشل في المواد الذي يتطلب استيعابها القيام بعملية استرجاع ذهنية معينة للمعلومة لا يتم القيام بها من طرف الطالب.
يمكن لنا أن نجيب على هذا التساؤل بالاعتماد على ما قالته إ. قريبو E. GREBOT في هذا الخصوص مستندة على أعمال أنطوان دولا قارودوري Antoine DE LA GARANDERIE قائلة :
الخاتمة
في النهاية، يمكن القول أن معطيات التيار التربوي المسمى ” إدارة العمليات الذهنية “ذات طبيعة تعمل على دفع المدرس إلى إعادة التفكير في العملية التعليمية.و في الحقيقة، يمكن أن تدفع الأسس النظرية لهذا التيار التربوي المدرسين إلى وضع بعض عاداتهم التدريسية موضع تساؤل. بهذا يمكن أن تعتبر المعارف الإجرائية أدوات أولية ضرورية لاستيعاب المعارف المفاهيمية. و تنبثق هذه الطريقة في التدريس من وظيفة المدرس الحالية في إطار المفهوم الجديد للعملية التعليمية: شخص ُمسهِّل لعملية التعلم.
ننهي هذا المقال بالقول أننا حاولنا التركيز على ثلاث نقاط أساسية و ذلك لطبيعة علاقتها مع نتائج العملية التعليمية.
لقد أشرنا في البداية إلى أهمية ” المعارف الجاهزة لدى الطالب عند بدء العملية التعليمية “. كما أوضحنا، أن المعلومات التي يمتلكها المتعلم في بداية العملية التربوية يمكن أن تكون عنصرا مسهلا أو معيقا لسير تلك العملية. في النقطة الثانية، تطرقنا إلى المعارف المسماة ” المعارف الإجرائية”. وهي تلك المعلومات التي يجب أن يستعملها المتعلمون للقيام بنشاط ذهني معين. يمكن لنا أن نقول أن طبيعة النتائج التي يتم الوصول إليها في نهاية العملية التعليمية هي ذات علاقة بدرجة استيعاب المتعلمين للمهارات التي تعتبر أولية و ضرورية لاستيعاب المنهج الجديد. و في الأخير تحدثنا عن تيار “إدارة العمليات الذهنية” التربوي. لقد بيَّنا – معتمدين على أعمال مؤسس هذا التيار التربوي – أنه يهدف إلى تزويد المتعلمين – ذوي مشاكل دراسية- بالأدوات التي تسمح لهم بالحصول على نتائج مرضية. بتعبير آخر فتيار إدارة العمليات الذهنية يركز على عملية الاسترجاع الذهني للمعلومات التي – حسب مبتكر هذا التيار التربوي – يمثل الشرط الأساسي لنجاح العملية التعليمية. إن عدم القيام بهذا النوع من العمليات أثناء عملية التعلم لا يؤدي إلا إلى فشل هذه العملية.
كذلك فإن الفشل الدراسي ليس مقدَّرا على الطالب، بل يمكن التغلب عليه لأنه كما تقول إ. قريبو E. GREBOT ” ليس نتيجة لعدم قدرة المتعلمين على التعلم و لكن لجهل هؤلاء بالطريقة الجيدة لكتابة النص ( مثلا ) . عندما تقوم بتزويد المتعلمين بالطرق الجيدة، سنلاحظ تحسنا واضحا في مستوى الطالب “.
لقد أشرنا في البداية إلى أهمية ” المعارف الجاهزة لدى الطالب عند بدء العملية التعليمية “. كما أوضحنا، أن المعلومات التي يمتلكها المتعلم في بداية العملية التربوية يمكن أن تكون عنصرا مسهلا أو معيقا لسير تلك العملية. في النقطة الثانية، تطرقنا إلى المعارف المسماة ” المعارف الإجرائية”. وهي تلك المعلومات التي يجب أن يستعملها المتعلمون للقيام بنشاط ذهني معين. يمكن لنا أن نقول أن طبيعة النتائج التي يتم الوصول إليها في نهاية العملية التعليمية هي ذات علاقة بدرجة استيعاب المتعلمين للمهارات التي تعتبر أولية و ضرورية لاستيعاب المنهج الجديد. و في الأخير تحدثنا عن تيار “إدارة العمليات الذهنية” التربوي. لقد بيَّنا – معتمدين على أعمال مؤسس هذا التيار التربوي – أنه يهدف إلى تزويد المتعلمين – ذوي مشاكل دراسية- بالأدوات التي تسمح لهم بالحصول على نتائج مرضية. بتعبير آخر فتيار إدارة العمليات الذهنية يركز على عملية الاسترجاع الذهني للمعلومات التي – حسب مبتكر هذا التيار التربوي – يمثل الشرط الأساسي لنجاح العملية التعليمية. إن عدم القيام بهذا النوع من العمليات أثناء عملية التعلم لا يؤدي إلا إلى فشل هذه العملية.
كذلك فإن الفشل الدراسي ليس مقدَّرا على الطالب، بل يمكن التغلب عليه لأنه كما تقول إ. قريبو E. GREBOT ” ليس نتيجة لعدم قدرة المتعلمين على التعلم و لكن لجهل هؤلاء بالطريقة الجيدة لكتابة النص ( مثلا ) . عندما تقوم بتزويد المتعلمين بالطرق الجيدة، سنلاحظ تحسنا واضحا في مستوى الطالب “.
تدفعنا أقوال إ. قريبو E. GREBOT إلى القول أن المهارات و المعلومات يمكن اعتبارها مادة أو موضوعا دراسيا. فنتائج العملية التربوية مرتبطة، ولو جزئيا، بطريقة تصور المدرس لعمليتي التعليم و التعلم.
المراجع
1- BRU ( M )., Les variations didactiques dans l’organisation des conditions d’apprentissage, Toulouse, Editions Universitaires du Sud, 1991
2- COTE ( R. L )., Psychologie de l’apprentissage et enseignement, une approche modulaire d’autoformation, Canada, Gaëtan morin, 287 p
3- DE LA GARANDERIE ( A )., Comprendre et imaginer, Paris, Le Centurion, 1992
4- DE LA GARANDERIE ( A )., Pédagogie des moyens d’apprendre, Paris, Le Centurion, 1982
5- DEVELAY ( M ) ., De l’apprentissage à l’enseignement : pour une épistémologie scolaire, Paris, ESF, 1992
6- GEORGE ( C )., ” Comment conceptualiser l’apprentissage “, revue française de pédagogie, n° 7, juillet – août – septembre, Paris, INRP, pp 7 – 61
8- GREBOT ( E )., Images mentales et stratégies d’apprentissage, Paris, ESF, 1994
9- HADJI ( C ) ., Penser et agir l’éducation, Paris, ESF, Collection pédagogie, 1992
10- Le MEIGNEN ( M. F )., Faites – les réussir, Paris, Organisation, 1995
11- LEGENDRE ( L )., Dictionnaire actuel de l’éducation, Montréal, Guérin, 2 Edition, 1993, 1500 p
12- MEIRIEU ( P )., Apprendre … Oui, mais comment, Paris, Editions ESF, 1987, 180 p
13- MEIRIEU ( P ).,Stratégies d’apprentissage, Les chemins de l’apprendre, Cahiers pédagogiques, n° 246, 1986, pp 11 –